محمد متولي الشعراوي
1125
تفسير الشعراوي
ومثال آخر ، حين نقول : شارك زيد عمرا ، وشارك عمرو زيدا ، إذن فالمفاعلة جاءت من الاثنين ، هذا فاعل وهذا مفعول ، لكننا عادة نغلب الفاعلية فيمن بدأ ، والمفعولية في الثاني ، وإن كان الثاني فاعلا أيضا . ولذلك يقول الشاعر عندما يريد أن يشرح حال إنسان يمشى في مكان فيه حيات كثيرة ومتحرزا من أن حية تلدغه فقال : قد سالم الحيات منه القدم * الأفعوان والشجاع القشعما إن الشاعر هنا يصف لنا إنسانا سار في مكان ملئ بالحيات ، وعادة ما يخاف الإنسان أن تلدغه حية ، لكن هذا الإنسان الموصوف في هذا البيت نجد أن الحيات قد سالمت قدمه ، أي لم تلدغه لأنه لم يهجها ، والثعابين عادة لا تلدغ إلا من يبدأها بالإهاجة ، نجد هنا أن الفاعل هو الحيات ؛ لأنها سالمت قدمه . ويصح أيضا أن نقول : إن القدم هي التي سالمت الحيات . ونحن نعرف من قواعد اللغة ما درسناه قديما ما يسمى بالبدل ، والبدل يأخذ حكم المبدل منه ، فإن كان المبدل منه مرفوعا جاء البدل مرفوعا ، وإن كان المبدل منه منصوبا جاء البدل منصوبا ، وإن كان المبدل منه مجرورا كان البدل كذلك . هنا جاءت « الحيات » في هذا البيت من الشعر مرفوعة ولكن الأفعوان جاءت في البيت منصوبة مع أنها بدل من مرفوع هو « الحيات » لأنه لاحظ ما فيها أيضا من المفعولية فأتى بها منصوبة . كما أن بالإمكان أن تقرأ « الحيات » بالنصب و « القدم » بالرفع لأن كلا منهما فاعل ومفعول من حيث المسالمة . وكذلك في قول الحق سبحانه : « أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْراهِيمَ فِي رَبِّهِ » نحن نلاحظ أن كلمة « إبراهيم » تأتى في الآية الكريمة منصوبة بالفتحة ، أي يغلب عليها المفعولية . فمن إذن الذي حاجّ إبراهيم ؟ إنه شخص ما ، وهو الفاعل ؛ لأنه الذي بدأ بالمحاجّة ، وهكذا تدلنا الآية الكريمة ، وتصف الآية ذلك الرجل « أَنْ آتاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ » أي أن الرجل قد وهبه اللّه الملك وقد حاج هذا الرجل إبراهيم في ربه ، فكأن هذا الرجل هو الذي بدأ الحجاج قائلا لإبراهيم : من ربك ؟